شبكة الاعلانية
شبكة الاعلانية = اقوى شبكة على النت = يمنع الاعلانات المخالفة للشريعة الاسلامية = يسمح بوضع الروابط للاشهار

شبكة الاعلانية

 
الرئيسيةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 المسيح الدجال

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبد الله
Admin
عبد الله

عدد المساهمات : 392
نقاط : 1134
تاريخ التسجيل : 24/07/2012

مُساهمةموضوع: المسيح الدجال    الجمعة 04 سبتمبر 2015, 5:12 pm

[rtl] [المطلب الثاني فتنة المسيح الدجال]
المطلب الثاني: فتنة المسيح الدجال لفظ الدجال على وزن فعال بفتح أوله والتشديد من الدجل وهو التغطية، وأصل الدجل معناه: الخلط، يقال: دجل إذا لبس وموه، وجمع دجال: دجالون، ودجاجلة.
وسمي الدجال دجالا؛ لأنه يغطي الحق بباطله، أو لأنه يغطي على الناس كفره بكذبه وتمويهه وتلبيسه عليهم (1) .
المراد بالدجال هنا: الدجال الأكبر الذي يخرج قبيل قيام الساعة في زمن المهدي وعيسى عليه السلام.
وخروجه من الأشراط العظيمة المؤذنة بقيام الساعة، وفتنته من أعظم الفتن والمحن التي تمر على الناس، ويسمى مسيحا؛ لأن إحدى عينيه ممسوحة أو لأنه يمسح الأرض في أربعين يوما، ولفظة المسيح تطلق على الصديق، وهو عيسى عليه السلام، وعلى الضليل الكذاب وهو الأعور الدجال (2) .
قال القرطبي: " واختلف في لفظة المسيح لغة على ثلاثة وعشرين قولا، ذكرها الحافظ أبو الخطاب بن دحية في كتابه مجمع البحرين، وقال: لم أر من جمعها قبلي ممن رحل وجال ولقي الرجال " (3) .
والمقصود بالمسيح هنا مسيح الضلالة الذي يفتن الناس بما يجري على يديه من الآيات، كإنزال المطر وإحياء الأرض، وبما يظهر على يديه من عجائب وخوارق للعادات، وأما مسيح الهدى فهو عيسى ابن مريم عليه السلام الذي سيأتي الكلام عليه.
_________
(1) انظر: النهاية في غريب الحديث: (2 / 102) ، ولسان العرب (11 / 236) ، وفتح الباري لابن حجر (2 / 318) .
(2) انظر: النهاية في غريب الحديث: (4 / 326) ، ولسان العرب (2 / 594) .
(3) التذكرة للقرطبي: (2 / 679 - 683) .
[/rtl]

[rtl](1/93)[/rtl]

[rtl]
[/rtl]




[rtl]وقد تواترت الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر خروج الدجال في آخر الزمان والتحذير منه، حيث وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته وصفا دقيقا لا يخفى على ذي بصيرة، كما حذر منه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبله أممهم ووصفوه لهم أوصافا ظاهرة.
ومن الأحاديث الواردة في ذلك حديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: «قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فأثنى على الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجال فقال: " إني لأنذركموه، وما من نبي إلا وقد أنذر قومه، ولكني سأقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه، إنه أعور، وان الله ليس بأعور» (1) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا أخبركم عن الدجال حديثا ما حدثه نبي قومه؟ إنه أعور، وإنه يجيء معه مثل الجنة والنار، فالتي يقول إنها الجنة هي النار، وإني أنذرتكم به كما أنذر به نوح قومه» (2) .
وعن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوما بين ظهراني الناس الدجال فقال: " إن الله تعالى ليس بأعور، ألا إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية» (3) " (4) .
_________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الفتن، (8 / 103) ومسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة، (4 / 2248) .
(2) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة (4 / 2250) .
(3) قال الخطابي: " كان هذا الحديث عندي من الواضح الذي يستغنى بظاهره عن تفسيره، وقد بقيت زمانا أحسبه أراد بالعنبة الطافية: الحبة من العنب تطفو على متن الماء، وذلك لأن الحدقة العوراء القائمة في المقلة الناتئة من أشبه شيء بها، حتى أخبرني مخبر عن أبي عمر صاحبنا قال: سئل أبو العباس ثعلب عن هذا القول فقال: الطافية: العنبة التي خرجت عن حد نبتة أخواتها، فعلت ونتأت وظهرت، يقال. طفا الشيء: إذا علا وظهر. غريب الحديث للخطابي (1 / 667) .
(4) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة (4 / 2250) .
[/rtl]


[rtl](1/94)[/rtl]

[rtl]
[/rtl]




[rtl]وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما حديثا طويلا عن الدجال فكان فيما يحدثنا به أنه قال: " يأتي الدجال، وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة، فينتهي إلى بعض السباخ (1) التي تلي المدينة، فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس - أو من خير الناس - فيقول له: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه، فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته، أتشكون في الأمر؟ فيقولون: لا، فيقتله ثم يحييه، فيقول: والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم الآن، قال: فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه» (2) .
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما بعث نبي إلا وقد أنذر أمته الأعور الكذاب ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، ومكتوب (3) بين عينيه ك. ف. ر» (4) .
وعن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: «ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال ذات غداة، فخفض فيه ورفع، حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه، عرف ذلك فينا، فقال: " ما شأنكم؟ " قلنا: يا رسول الله، ذكرت الدجال الغداة، فخفضت فيه ورفعت، حتى ظنناه في طائفة النخل، فقال: " غير الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، إنه شاب قطط (5) عينه طافئة، كأني
_________
(1) السباخ: بكسر المهملة جمع سبخة محركة ومسكنة، وهي الأرض التي تعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر، النهاية في غريب الحديث (2 / 333) .
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الفتن، (8 / 102) ، ومسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة (4 / 2256) ، واللفظ لمسلم.
(3) قال الإمام النووي - رحمه الله -: والصحيح الذي عليه المحققون أن هذه الكتابة على ظاهرها، وأنها كتابة حقيقية جعلها الله آية وعلامة من جملة العلامات القاطعة بكفره وكذبه وإبطاله، ويظهرها الله تعالى لكل مسلم كاتب وغير كاتب، ويخفيها عمن أراد شقاوته وفتنته، ولا امتناع في ذلك.
شرح صحيح مسلم للنووي: (18 / 60) .
(4) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الفتن - (8 / 103) ، ومسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة (4 / 2248) .
(5) (قطط) أي صاحب الشعر الشديد الجعودة. النهاية في غريب الحديث (2 / 81) .
[/rtl]


[rtl](1/95)[/rtl]

[rtl]
[/rtl]




[rtl]أشبهه بـ (عبد العزى بن قطن) فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه خارج خلة بين الشام والعراق، فعاث يمينا، وعاث شمالا، يا عباد الله فاثبتوا. قلنا: يا رسول الله، وما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم، قلنا: يا رسول الله فذاك اليوم الذي كسنة: أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدروا له قدره، قلنا: يا رسول الله، وما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث استدبرته الريح، فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به، ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كان ذرا وأسبغه ضروعا، وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم، فيردون عليه قوله. قال: فينصرف عنهم، فيصبحون ممحلين (1) ليس بأيديهم شيء من أحوالهم، ويمر بالخربة، فيقول لها: أخرجي كنوزك، فيتبعه كنوزها كيعاسيب (2) النحل، ثم يدعو رجلا ممتلئا شبابا، فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين، رمية الغرض ثم يدعوه فيقبل، ويتهلل وجهه يضحك، فبينما هو كذلك، إذ بعث الله المسيح ابن مريم عليه السلام، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، بين مهرودتين (3) واضعا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ (4) فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى
_________
(1) (ممحلين) : الممحل: الذي أجدبت أرضه وقحطت وغلت أسعاره. لسان العرب (17 / 617) .
(2) (يعاسيب النحل) : جمع يعسوب، واليعسوب أصله فحل النحل، والمعنى هنا: أي تظهر له وتجتمع عنده كما تجتمع النحل على يعاسيبها.
النهاية في غريب الحديث (3 / 235) .
(3) (مهرودتين) روي بالدال وبالذال، مفردها: مهرودة، وهو الثوب الذي صبغ، والمعنى أنه لابس ثوبين مصبوغين بالورس ثم بالزعفران. النهاية في غريب الحديث (5 / 258) .
(4) (جمان كاللؤلؤ) : أي ينحدر منه الماء على هيئة اللؤلؤ في صفائه، والجمان حبات من الفضة تصنع على هيئة اللؤلؤ الكبار. النهاية في غريب الحديث (1 / 301) .
[/rtl]


[rtl](1/96)[/rtl]

[rtl]
[/rtl]




[rtl]يدركه بباب لد، فيقتله، ثم يأتي عيسى ابن مريم قوما قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله عز وجل إلى عيسى ابن مريم: إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم، فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ويحصر نبي الله عيسى عليه السلام وأصحابه، حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار، فيرغب نبي الله عيسى عليه السلام وأصحابه، فيرسل الله عليهم النغف (1) في رقابهم فيصبحون فرسى، كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى عليه السلام وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم (2) ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، ثم يرسل الله مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة (3) ثم يقال للأرض أنبتي ثمرتك، وردي بركتك، فيومئذ كل العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها (4) ويبارك في الرسل، حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس، فبينما هم كذلك، إذ بعث الله ريحا طيبا، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن ومسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة» (5) .
_________
(1) (النغف) هو دود يكون في أنوف الإبل والغنم. واحدتها نغفة.
النهاية في غريب الحديث (5 / 87) .
(2) (زهمهم) : أي دسمهم وريحهم المنتنة، وأراد أن الأرض تنتن من جيفهم. المصدر السابق (2 / 313) .
(3) (الزلفة) : بالتحريك جمعها زلف: مصانع الماء، أراد أن المطر يغدر في الأرض فتصير كأنها مصنعة من مصانع الماء، وقيل الزلفة: المرآة، شبهها بها لاستوائها ونظافتها. النهاية في غريب الحديث (2 / 309) .
(4) بقحفها: أي قشرها تشبيها بقحف الرأس، وهو الذي فوق الدماغ، وقيل: هو ما انفلق من جمجمته وانفصل. المصدر السابق (4 / 17) .
(5) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة (4 / 2255) .
[/rtl]


[rtl](1/97)[/rtl]

[rtl]
[/rtl]




[rtl]قال الخطابي - رحمه الله -: " هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم وغيره في قصة الدجال حجة لمذهب أهل الحق في صحة وجوده، وأنه شخص بعينه ابتلى الله به عباده، وأقدره على أشياء من مقدورات الله تعالى، من إحياء الميت الذي يقتله، ومن ظهور زهرة الدنيا، والخصب معه، وجنته وناره ونهريه، واتباع كنوز الأرض له، وأمره السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، فيقع كل ذلك بقدرة الله تعالى ومشيئته، ثم يعجزه الله تعالى بعد ذلك فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره، ويبطل أمره ويقتله عيسى صلى الله عليه وسلم ويثبت الله الذين آمنوا. هذا مذهب أهل السنة وجميع المحدثين والفقهاء والنظار، خلافا لمن أنكره وأبطل أمره من الخوارج (1) والجهمية (2) وبعض المعتزلة (3) وخلافا للبخاري المعتزلي وموافقيه من الجهمية وغيرهم في أنه صحيح الوجود، ولكن الذي يدعي مخارق وخيالات لا حقائق لها. وزعموا أنه لو كان حقًّا لم يوثق بمعجزات الأنبياء صلى الله عليه وسلم
_________
(1) الخوارج: هم الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه عام 37 هـ، ويجمعهم القول بالتبري من عثمان وعلي - رضي الله عنهما - كما أجمعوا - عدا النجدات منهم - على تكفير مرتكب الكبيرة وتخليده في النار إذا مات مصرا عليها، وقد ورد في ذمهم والترغيب في قتالهم أحاديث صحيحة مرفوعة، وقد افترقوا على نحو عشرين فرقة، ومن أسمائهم أيضا الحرورية. انظر: مقالات الإسلاميين (1 / 167) ، وتلبيس إبليس ص (9) ، والملل والنحل (1 / 114) .
(2) الجهمية هم أتباع الجهم بن صفوان الذي قال: بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال، وأنكر الاستطاعات لها، وزعم أن الإيمان هو المعرفة بالله فقط وأن الكفر هو الجهل به، وزعم أيضا أن الجنة والنار تبيدان وتفنيان. انظر: مقالات الإسلامين (1 / 338) ، الفرق بين الفرق ص (211) ، والملل والنحل (1 / 76) .
(3) المعتزلة: سموا بذلك لاعتزال واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد - من رؤسائهم - مجلس الحسن البصري لقولهما بأن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر، وقيل سموا معتزلة لاعتزالهم منهج أهل السنة والجماعة، ومن عقائدهم إنكار جميع صفات الله، والقول بأن القرآن محدث، وأن الله لا يرى في الآخرة، وتصل فرقهم إلى حوالي عشرين فرقة، انظر: مقالات الإسلاميين (1 / 235) ، الفرق بين الفرق ص (11) ، البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان ص (49) .
[/rtl]


[rtl](1/98)[/rtl]

[rtl]
[/rtl]




[rtl]، وهذا غلط من جميعهم؛ لأنه لم يدع النبوة فيكون ما معه كالتصديق له، وإنما يدعي الإلهية وهو في نفس دعواه مكذب لها بصورة حاله، ووجود دلائل الحدوث فيه ونقص صورته وعجزه عن إزالة العور الذي في عينيه، وعن إزالة الشاهد بكفره المكتوب بين عينيه، ولهذه الدلائل وغيرها لا يغتر به إلا رعاع من الناس لسد الحاجة والفاقة رغبة في سد الرمق أو تقية وخوفا من أذاه؛ لأن فتنته عظيمة جدا تدهش العقول وتحير الألباب مع سرعة مروره في الأرض فلا يمكث بحيث يتأمل الضعفاء حاله، ولهذا حذرت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين من فتنته ونبهوا على نقصه ودلائل إبطاله. وأما أهل التوفيق فلا يغترون ولا يخدعون بما معه لما ذكرناه من الدلائل المكذوبة له مع ما سبق لهم من العلم بحاله، ولهذا يقول الذي يقتله ثم يحييه: ما ازددت فيك إلا بصيرة " (1) .

وقد دلت الأحاديث علي أن المسيح الدجال يدخل كل بلد إلا مكة والمدينة، فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة، ليس له من نقابها نقب إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات فيخرج الله كل كافر ومنافق» (2) .
قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله -: " قوله صلى الله عليه وسلم: «ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال» هو على ظاهره وعمومه عند الجمهور، وشذ ابن حزم (3) فقال: المراد: إلا يدخله بعثه وجنوده، وكأنه استبعد إمكان دخول الدجال جميع البلاد لقصر مدته، وغفل عما ثبت في صحيح مسلم أن بعض أيامه يكون قدر سنة " (4) .
_________
(1) شرح صحيح مسلم للنووي (18 / 58 - 59) .
(2) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الفتن (8 / 102) .
(3) أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي، المحدث الفقيه، كان شافعيا ثم تركه إلى القول بالظاهر، له مؤلفات كثيرة منها: المحلى، الفصل في الملل والأهواء والنحل، توفي سنة 456 هـ.
وفيات الأعيان (3 / 325) ، سير أعلام النبلاء (18 / 184) .
(4) فتح الباري (4 / 96) .
[/rtl]


[rtl](1/99)[/rtl]

[rtl]
[/rtl]




[rtl]وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم مدة مكثه في الأرض بعد خروجه، وأن قتله يكون على يد عيسى ابن مريم عليه السلام كما في حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه، وقد سبق ذكره (1) .
فظهور الدجال - أخسأه الله وأخزاه - وشدة فتنته وهوله وبلاء الناس به، وبما يجري على يديه من علامات الساعة العظيمة وأشراطها الجسيمة، وقد سبق إيراد الأحاديث النبوية في شأنه والخبر عنه وبيان وصفه ونعته والتحذير منه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ في صلاته وغيرها من فتنة الدجال وشره وأمر أمته بذلك.
فعن ابن عباس - رضي الله عنهما - «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن: " اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات» (2) .
وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: «بينما النبي صلى الله عليه وسلم في حائط بني النجار على بغلة له ونحن معه إذ حادت به فكادت تلقيه، وإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة فقال: " من يعرف أصحاب هذه الأقبر "؟ فقال رجل أنا: قال: " متى مات هؤلاء "؟ قال: ماتوا في الإشراك، فقال: " إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر "، قالوا: نعوذ بالله من النار، قال: " تعوذوا بالله من عذاب القبر "، قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر، قال: " تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن "، قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قال: " تعوذوا بالله من فتنة المسيح الدجال "، قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال» (3) .
_________
(1) تقدم ذكره وتخريجه ص 114.
(2) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب المساجد ومواضع الصلاة (1 / 413) .
(3) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب صفة الجنة (4 / 2199 - 2200) .
[/rtl]


[rtl](1/100)[/rtl]

[rtl]
[/rtl]




[rtl]وقد أرشد رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمنين إلى ما يعصمهم من فتنة المسيح الدجال كما جاء في حديث أبي الدرداء رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال» .
قال مسلم: قال شعبة: من آخر الكهف، وقال همام: من أول الكهف (1) .
قال المناوي مبينا سبب العصمة: " وذلك لما في قصة أهل الكهف من العجائب، فمن علمها لم يستغرب أمر الدجال فلا يفتن، أو لأن من تدبر هذه الآيات وتأمل معناها حذره فأمن منه أو هذه خصوصية أودعت في السورة " (2) .
فسورة الكهف لها شأن عظيم وفيها من العجائب والآيات الباهرات التي من تدبرها عصم من فتنة الدجال، وقد ورد الحث على قراءتها وخاصة في يوم الجمعة، كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين» (3) .
فينبغي على المسلم أن يحرص على قراءة هذه السورة وحفظها وخاصة في يوم الجمعة.
وقبل الانتهاء من الكلام على الدجال أحب أن أشير إلى مسألتين لهما علاقة بالكلام على موضوع الدجال وهما:
1 - هل ابن صياد (4) هو الدجال؟ .
2 - الحكمة من عدم ذكر الدجال في القرآن.
_________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب صلاة المسافرين وقصرها (1 / 555) .
(2) فيض القدير: (6 / 118) .
(3) أخرجه الحاكم في المستدرك (2 / 368) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(4) ابن صياد: هو رجل من يهود المدينة، وقيل: إنه من الأنصار، واسمه " صاف " بمهملة وفاء وزن باع، وقيل: اسمه " عبد الله "، ذكره الذهبي في كتابه تجريد أسماء الصحابة (1 / 319) فقال: عبد الله بن صياد أورده ابن شاهين، وقال هو ابن صائد كان أبوه يهودياَ فولد عبد الله أعور مختونا، وهو الذي قيل إنه الدجال ثم أسلم، فهو تابعي له رؤية، وقال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر كلام الذهبي السابق في الإصابة (3 / 133) : ومن ولده عمارة بن عبد الله بن صياد، وكان من خيار المسلمين من أصحاب سعيد بن مالك، روى عنه مالك وغيره، وقال الحافظ بن كثير في النهاية في الفتن والملاحم (1 / 173) : وقد كان ابن صياد من يهود المدينة، ولقبه " عبد الله " ويقال " صاف "، وقد جاء هذا وهذا، وقد يكون أصل اسمه " صاف " ثم تسمى لما أسلم بعبد الله، وقد كان ابنه عمارة بن عبد الله من سادات التابعين، وروى عنه مالك وغيره، وللمزيد انظر: مشكل الآثار للطحاوي (4 / 96 - 103) ، وتهذيب التهذيب (7 / 418، 419) .
[/rtl]


[rtl](1/101)[/rtl]

[rtl]
[/rtl]




[rtl]أما المسألة الأولى - وهي: هل ابن صياد هو الدجال؟ - فقد اختلف العلماء في ذلك اختلافا شديدا، واضطربت فيه الروايات والآراء، وقبل الدخول في ذكر أقوال العلماء في ذلك أحب أن أشير إلى بعض الروايات الواردة في شأنه، من ذلك: رواية عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - «أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه انطلق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط قبل ابن صياد حتى وجده يلعب مع الصبيان عند أطم بني مغالة، وقد قارب ابن صياد يومئذ الحلم، فلم يشعر حتى ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ظهره بيده، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن صياد: " أتشهد أني رسول الله "؟ فنظر إليه ابن صياد، فقال: أشهد أنك رسول الأميين، فقال ابن صياد لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتشهد أني رسول الله؟ فرفضه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " آمنت بالله وبرسله "، ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ماذا ترى "؟ قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خلط عليك الأمر "، ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني خبأت لك خبيئا " فقال ابن صياد: هو الدخ (1) فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اخسأ فلن تعدو قدرك ". فقال عمر بن الخطاب: ذرني يا رسول الله أن أضرب عنقه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن يكنه فلن تسلط عليه، وإن لا يكنه فلا خير لك في قتله» (2) .
وقال سالم بن عبد الله: سمعت عبد الله بن عمر يقول: «انطلق بعد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بن كعب الأنصاري إلى النخل التي فيها ابن صياد حتى
_________
(1) الدخ: هو الدخان، وفسر في الحديث أنه أراد بذلك يوم تأتي السماء بدخان مبين. النهاية في غريب الحديث (2 / 107) .
(2) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة (4 / 2244) .
[/rtl]


[rtl](1/102)[/rtl]

[rtl]
[/rtl]




[rtl]إذا دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم النخل طفق يتقي بجذوع النخل وهو يختل أن يسمع من ابن صياد شيئا قبل أن يراه ابن صياد، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على فراش في قطيفة له فيها زمزمة (1) فرأت أم ابن صياد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتقي بجذوع، فقالت لابن صياد: يا صاف (وهو اسم ابن صياد) هذا محمد، فثار ابن صياد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لو تركته بين» (2) " (3) .
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «لقيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر - يعني ابن صياد - في بعض طرق المدينة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتشهد أني رسول الله "؟ فقال هو: أتشهد أني رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " آمنت بالله وملائكته وكتبه، ما ترى "؟ قال: أرى عرشا على الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ترى عرش إبليس على البحر، وما ترى "؟ قال: أرى صادقين وكاذبا - أو كاذبين وصادقا - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لبس (4) عليه، دعوه» (5) .
وعنه أيضا: «خرجنا حجاجا أو عمارا ومعنا ابن صياد، قال: فنزلنا منزلا، فتفرق الناس وبقيت أنا وهو. فاستوحشت منه وحشة شديدة مما يقال عليه، قال: وجاء بمتاعه فوضعه مع متاعي، فقلت: إن الحر شديد، فلو وضعته تحت تلك الشجرة. قال: ففعل، قال: فرفعت لنا غنم، فانطلق فجاء بعس (6) فقال: اشرب أبا سعيد! فقلت: إن الحر شديد واللبن حار، ما بي إلا أني أكره أن أشرب عن يده - أو قال آخذ عن يده - فقال: أبا سعيد! لقد هممت أن آخذ
_________
(1) الزمزمة: هي الصوت الخفي الذي لا يكاد يفهم، أو لا يفهم. النهاية في غريب الحديث (2 / 313) .
(2) قوله صلى الله عليه وسلم: (لو تركته بين) أي لو لم تخبره ولم تعلمه أمه بمجيئنا لبين لنا من حاله ما نعرف به حقيقة أمره.
(3) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفتن وأشراط الساعة (4 / 2245) .
(4) لبس عليه: أي اختلط عليه الأمر.
(5) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة (4 / 2241) .
(6) العس: هو القدح الكبير، وجمعه عساس وأعساس، النهاية في غريب الحديث (3 / 236) .
[/rtl]


[rtl](1/103)[/rtl]

[rtl]
[/rtl]




[rtl]حبلا فأعلقه بشجرة ثم أختنق مما يقول لي الناس، يا أبا سعيد: من خفي عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خفي عليكم معشر الأنصار، ألست من أعلم الناس بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو عقيم لا يولد له، وقد تركت ولدي بالمدينة؟ أو ليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يدخل المدينة ولا مكة، وقد أقبلت من المدينة، وأنا أريد مكة؟ . قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: حتى كدت أن أعذره، ثم قال: أما والله إني لأعرف مولده وأين هو الآن. قال: قلت له: تبا لك سائر اليوم» (1) (2) .
ومن أقوال العلماء في ابن صياد هل هو الدجال الأكبر أم لا، قوله البيهقي في سياق كلامه على حديث تميم الداري السابق فيه أن الدجال الأكبر الذي يخرج في آخر الزمان غير ابن صياد، وكان ابن صياد أحد الدجالين الكذابين الذين أخبر صلى الله عليه وسلم بخروجهم، وقد خرج أكثرهم، وكأن الذين يجزمون بأن ابن صياد هو الدجال لم يسمعوا بقصة تميم، وإلا فالجمع بينهما بعيد جدا؛ إذ كيف يلتئم أن يكون من كان في أثناء الحياة النبوية شبه محتلم، ويجتمع به النبي صلى الله عليه وسلم ويسأله أن يكون في آخرها شيخا كبيرا مسجونا في جزيرة من جزائر البحر موثقا بالحديد يستفهم عن خبر النبي صلى الله عليه وسلم هل خرج أو لا؟ فالأولى أن يحمل على عدم الاطلاع، أما عمر فيحتمل أن يكون ذلك منه قبل أن يسمع قصة تميم ثم لما سمعها لم يعد إلى الحلف المذكور، وأما جابر فشهد حلفه عند النبي صلى الله عليه وسلم فاستصحب ما كان اطلع عليه من عمر بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم (3) .
وقال النووي: قال العلماء: وقصته مشكلة وأمره مشتبه في أنه هل هو المسيح الدجال المشهور أم غيره، ولا شك في أنه دجال من الدجاجلة. قال العلماء: وظاهر الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوصف إليه بأنه المسيح الدجال ولا
_________
(1) تبا لك سائر اليوم: خسرانا وهلاكا لك في باقي اليوم، وهو منصوب بفعل مضمر.
(2) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة: (4 / 2242، 2243) .
(3) نقلا عن فتح الباري لابن حجر (13 / 326 - 327) .
[/rtl]


[rtl](1/104)[/rtl]

[rtl]
[/rtl]




[rtl]غيره، وإنما أوحي إليه بصفات الدجال، وكان في ابن صياد قرائن محتملة، فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يقطع بأنه الدجال ولا غيره، ولهذا قال لعمر رضي الله عنه: إن يكن هو فلن تستطيع قتله. وأما احتجاجه هو بأنه مسلم والدجال كافر، وبأنه لا يولد للدجال وقد ولد له هو، وأنه لا يدخل مكة والمدينة وأن ابن صياد دخل المدينة وهو متوجه إلى مكة، فلا دلالة له فيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أخبر عن صفاته وقت فتنته وخروجه في الأرض، ومن اشتباه قصته وكونه أحد الدجاجلة الكذابين قوله للنبي صلى الله عليه وسلم: أتشهد أني رسول الله؟ ودعواه أنه يأتيه صادق وكاذب، وأنه يرى عرشا فوق الماء، وأنه لا يكره أن يكون هو الدجال، وأنه يعرف موضعه، وقوله: إني لأعرفه وأعرف مولده وأين هو الآن، وانتفاخه حتى ملأ السكة، وأما إظهاره الإسلام وحجه وجهاده وإقلاعه عما كان عليه فليس بصريح في أنه غير الدجال " (1) .
أقوال العلماء في ابن صياد:
قال أبو عبد الله القرطبي: " الصحيح أن ابن صياد هو الدجال بدلالة ما تقدم، وما يبعد أن يكون بالجزيرة في ذلك الوقت، ويكون بين أظهر الصحابة في وقت آخر " (2) .
ويفهم من كلام النووي والقرطبي السابق أنهما يرجحان كون ابن صياد هو الدجال.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في معرض كلامه على الأحوال الشيطانية: " وهذا بخلاف الأحوال الشيطانية مثل حال عبد الله بن صياد الذي ظهر في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد ظن بعض الصحابة أنه الدجال، وتوقف النبي صلى الله عليه وسلم في أمره حتى تبين له فيما بعد أنه ليس هو الدجال، لكنه من جنس الكهان " (3) .
_________
(1) شرح صحيح مسلم للنووي (18 / 46، 47) .
(2) التذكرة (2 / 822) .
(3) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص (166) .
[/rtl]


[rtl](1/105)[/rtl]

[rtl]
[/rtl]




[rtl]وقال الحافظ ابن كثير - رحمه الله - بعد أن ساق الأحاديث الواردة في ابن صياد وهل هو الدجال الأكبر أم لا، قال: وقد قدمنا أن الصحيح أن الدجال غير ابن صياد وأن ابن صياد كان دجالا من الدجاجلة ثم تاب بعد ذلك فأظهر الإسلام، والله أعلم بضميره وسيرته (1) .
ولعل ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - والحافظ ابن كثير - رحمه الله - هو الراجح في ابن صياد، وأنه دجال من الدجاجلة وليس هو الدجال الأكبر الذي يخرج في آخر الزمان - والله أعلم.
وأما المسألة الثانية: وهي الحكمة من عدم ذكر الدجال في القرآن صراحة، فقد أجاب على ذلك الحافظ ابن حجر - رحمه الله - بقوله: اشتهر السؤال عن الحكمة في عدم التصريح بذكر الدجال في القرآن مع ما ذكر عنه من الشر، وعظم الفتنة به، وتحذير الأنبياء منه، والأمر بالاستعاذة منه حتى في الصلاة، وأجيب بأجوبة:
أحدها: أنه ذكر في قوله تعالى: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا} [الأنعام: 158] (2) فقد أخرج الترمذي وصححه عن أبي هريرة رفعه: «ثلاثة إذا خرجن لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل: الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها» .
الثاني: قد وقعت الإشارة في القرآن إلى نزول عيسى ابن مريم في قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء: 159] (3) وفي قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ} [الزخرف: 61] (4) وصح أنه الذي يقتل الدجال فاكتفي بذكر أحد الضدين عن الآخر، ولكونه يلقب المسيح كعيسى، لكن الدجال مسيح الضلالة وعيسى مسيح الهدى.
_________
(1) النهاية في الفتن والملاحم: (1 / 173) .
(2) سورة الأنعام، الآية: 158.
(3) سورة النساء، الآية: 159.
(4) سورة الزخرف، الآية: 61.
[/rtl]


[rtl](1/106)[/rtl]

[rtl]
[/rtl]




[rtl]الثالث: أنه ترك ذكره احتقارا، وتعقب بذكر يأجوج ومأجوج وليست الفتنة بهم بدون الفتنة بالدجال والذي قبله، وتعقب بأن السؤال باق وهو ما الحكمة في ترك التنصيص عليه؟ وأجاب شيخنا الإمام البلقيني بأنه اعتبر كل من ذكر في القرآن من المفسدين فوجد كل من ذكر إنما هم ممن مضى وانقضى أمره، وأما من لم يجئ بعد فلم يذكر منهم أحدا، انتهى. وهذا ينتقض بيأجوج ومأجوج.
وقد وقع في تفسير البغوي (1) أن الدجال مذكور في القرآن في قوله تعالى: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} [غافر: 57] (2) وأن المراد بالناس هنا الدجال، من إطلاق الكل على البعض، وهذا إن ثبت أحسن الأجوبة فيكون من جملة ما تكفل النبي صلى الله عليه وسلم ببيانه والعلم عند الله تعالى (3) .
ومما سبق يتضح لنا أن خروج الدجال من أشراط الساعة الكبرى الثابتة، ومن الأخبار المتواترة التي يجب الإيمان بها، وفي ما مضى من الأدلة رد على من أنكر خروج الدجال بالكلية من الخوارج والجهمية والمعتزلة وغيرهم ممن سار على نهجهم قديما وحديثا، أو قال إن ما يأتي به الدجال خيالات لا حقيقة لها، فكل هؤلاء قد ردوا ما تواترت به الأحاديث الصحيحة من غير وجه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم.
قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله - في معرض رده على هؤلاء: " وقد تقدم حديث حذيفة وغيره أن ماءه نار وناره ماء بارد، وإنما ذلك في رأي العين، وقد تمسك بهذا الحديث طائفة من العلماء كابن حزم، والطحاوي وغيرهما في أن الدجال ممخرق (4) مموه لا حقيقة لما يبدي للناس من الأمور التي تشاهد في زمانه بل كلها خيالات عند هؤلاء ".
_________
(1) تفسير البغوي: (4 / 101) .
(2) سورة غافر، الآية: 57.
(3) فتح الباري (13 / 91، 92) .
(4) الممخرق: المشعوذ.
[/rtl]


[rtl](1/107)[/rtl]

[rtl]
[/rtl]




[rtl]وقال الشيخ أبو علي الجبائي (1) - شيخ المعتزلة -: لا يجوز أن يكون كذلك حقيقة؛ لئلا يشتبه خارق السحر بخارق النبي، وقد أجابه القاضي عياض وغيره بأن الدجال إنما يدعي الإلهية، وذلك مناف للبشرية فلا يمتنع إجراء الخارق على يديه والحالة هذه. وقد أنكرت طوائف كثيرة من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة خروج الدجال بالكلية، وردوا الأحاديث الواردة فيه فلم يصنعوا شيئا، وخرجوا بذلك عن حيز العلماء لردهم ما تواترت به الأخبار الصحيحة من غير وجه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم، وإنما أوردنا بعض ما ورد في هذا الباب؛ لأن فيه كفاية ومقنعا، والله المستعان.
والذي يظهر من الأحاديث المتقدمة أن الدجال يمتحن الله به عباده بما يخلقه معه من الخوارق المشاهدة في زمانه، كما تقدم أن من استجاب له يأمر السماء فتمطرهم والأرض فتنبت لهم زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم وترجع إليهم سمانا، ومن لا يستجيب له ويرد عليه أمره تصيبهم السنة والجدب والقحط والعلة وموت الأنعام ونقص الأموال والأنفس والثمرات، وأنه تتبعه كنوز الأرض كيعاسيب النحل، ويقتل ذلك الشاب ثم يحييه، وهذا كله ليس بمخرقة بلِ له حقيقة امتحن الله به عباده في ذلك الزمان، فيضل به كثيرا ويهدي به كثيراَ، يكفر المرتابون، ويزداد الذين آمنوا إيمانا، وقد حمل القاضي عياض وغيره على هذا المعنى معنى الحديث «هو أهون على الله من ذلك» .
أي هو أقل من أن يكون معه ما يضل به عباده المؤمنين، وما ذاك إلا لأنه ظاهر النقص والفجور والظلم، وإن كان معه من الخوارق، وبين عينيه مكتوب كافر كتابة ظاهرة، وقد حقق ذلك الشارع في خبره بقوله: ك - ف - ر. وقد دل ذلك على أنها كتابة حسية لا معنوية، كما يقوله بعض الناس، وعينه الواحدة
_________
(1) محمد بن عبد الوهاب الجبائي البصري أبو علي الجبائي، زعيم الطائفة الجبائية من المعتزلة، تتلمذ عليه أبو الحسن الأشعري ثم ناظره وهجره، توفي سنة 303 هـ. لسان الميزان (5 / 571) ، شذرات الذهب (2 / 241) .
[/rtl]


[rtl](1/108)[/rtl]

[rtl]
[/rtl]




[rtl]عوراء شنيعة المنظر ناتئة، وهو معنى قوله: «كأنها عنبة طافية» أي طافية على وجه الماء، ومن روى ذلك طافئة فمعناه: لا ضوء فيها. وفي الحديث الآخر: «كأنها نخامة على حائط مجصص» أي بشعة الشكل، وقد ورد في بعض الأحاديث أن عينه اليمنى عوراء رحا (1) اليسرى، فإما أن تكون إحدى الروايتين غير محفوظة، أو أن العور حاصل في كل من العينين، ويكون معنى العور النقص والعيب.
ويقوي هذا الجواب: ما رواه الطبراني قال: حدثنا محمد بن محمد التمار وأبو خليفة قالا: حدثنا أبو الوليد، حدثنا زائدة، حدثنا سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدجال جعد هجان أقمر، كأن رأسه غصن شجرة، مطموس عينه اليسرى، والأخرى كأنها عنبة طافية» الحديث (2) وكذلك رواه سفيان الثوري عن سماك بنحوه، لكن قد جاء في الحديث المتقدم: «وعينه الأخرى كأنها كوكب دري» ، وعلى هذا فتكون الرواية الواحدة غلطا، ويحتمل أن يكون المراد أن العين الواحدة عوراء في نفسها، والأخرى عوراء باعتبار انبرازها، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب (3) .
_________
(1) "رحا اليسرى" أي مثلها، كأن عينيه في التماثل حجرا الرحا.
(2) أخرجه الطبراني في الكبير (11 / 273) .
(3) النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير: (1 / 164 - 166) .
[/rtl]


[rtl](1/109[/rtl]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://qpbd.forumarabia.com
 
المسيح الدجال
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
شبكة الاعلانية :: مواضيع عامة-
انتقل الى: